
سبحان من خلق الإنسان ذلك المخلوق الذي يعتريه النقص والضعف والنسيان فرغم ما أوتي من عقل وهيبة وسلطان لا يزال فقيراً إلى مولاه في كل شيء .
فتراه يتردد في اتخاذ قرارات بسيطة ويحتار في خوض أعمال يسيرة يفكر ويفكر يقدم رجلاً ويؤخر الأخرى .
تجده مثلاً يريد السفر وما يلبث أن يحجم عنه مخافة الهلاك ، وتراه يريد شغل وظيفة ما فتأخذه أفكاره بعيداً عنها ، كما أن ابنته يتقدم لخطبتها الأكفاء فلا يزوج ؟!!
فلماذا لا تطرد عنك هذا .. القلق والخوف والتردد وتستخير الله عز وجل بصلاة ركعتين لله تعالى وسؤالك إياه لاستخارة .
ماهي الاستخارة :
الاستخارة : هي استفعال من الخير أو الخيرة ، واستخار الله : طلب منه الخيره والمراد طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما .
حكمها : سنة
وقتها :
لم يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاً للاستخارة ، فذهب جمع إلى جوازها في جميع الأوقات والأكثرون على أنها في غير أوقات النهي .
لكن صلاة الاستخارة من ذوات الأسباب كتحية المسجد فتصلي حتى في أوقات النهي ، ولو اختار المستخير وقتاً غير وقت النهي إن كان معه سعة فهو خير وأولى .
صفتها :
أن يصلي ركعتين مثل بقية صلاة النافلة ، يقرأ كل ركعة فاتحة الكتاب وما تيسر من القرآن ، ثم يرفع يديه بعد السلام ويدعو الدعاء الوارد في ذلك وهو : (اللهم إني استخيرك بعلمك ، واستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسميه بعينه من زواج أوسفر أو غيرهما) خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، فاقدره علي ويسره لي ، ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به) .
وقد رجح الشيخ عبدالعزيز بن باز ، والشيخ محمد بن عثيمين – رحمهما الله- أن تكون الاستخارة بعد السلام .
الأمور التي تشرع فيها الاستخارة :
جميع الأمور جليلها وحقيرها صغيرها وكبيرها ، فرب أمر حقير ترتب عليه أمر عظيم إلا أنه يستثنى من ذلك أمران :
1- الواجبات والمحرمات 2- الأمور الاعتيادية كالأكل والشرب
الحكمة في الاستخارة :قال ابن القيم -رحمه الله- : (عوض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بهذا الدعاء ، عما كان عليه أهل الجاهلية من زجر للطير والاستقسام بالأزلام يطلبون بها علم ما قسم لهم من الغيب) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله- (وما ندم من استخار الخالق ، وشاور المخلوقين ، وتثبت في أمره ، فقد قال تعالى :{وشاوره في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} آل عمران : 159 .
وقال قتادة : (ما تشاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا لأرشد أمرهم) .
اعتقاد خاطئ :
يعتقد بعض الناس أن صلاة الاستخارة تكون بالليل قبل النوم والمستخير يرى في منامه رؤيا تبين له فيها وجه الصواب ، وهذا غير صحيح لأنه ليس لها وقت محدد ، وليس شرطاً أن يرى المستخير رؤيا بعد الاستخارة بل يستخير متى شاء ثم يتوكل على الله فيمضي لفعل ماهم فإن فيه الخير بإذن الله .
هل يشترط التردد ؟!
يظن كثير من الناس أن الاستخارة مشروعة في الأمور التي يحصل فيها التردد والشك ، وهذا غير صحيح بل في كل الأمور تردد أو لم يتردد .
متى تقتصر على الدعاء دون الصلاة ؟!
قد يكون المسلم في حال لا تمكنه من أداء الصلاة كالحائض والنفساء ، ومن ضاق عليه الوقت عن أداء الركعتين ، فإن أمكن تأخيرها إلى وقت يزول منه المانع وإلا فإنه يقتصر على الدعاء .
ماذا يفعل بعد الاستخارة ؟!
قال الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله- : ( ثم بعد ذلك إذا انشرح صدره بأحد الأمرين بالإقدام أو الإحجام فهذا المطلوب ، يأخذ بما ينشرح به صدره ، فإن لم ينشرح صدره لشيء وبقي متردداً أعاد الاستخارة مرة ثانية وثالثة .
وإنما قلنا : أنه يستخير ثلاث مرات ، لأن من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا دعا دعا ثلاثاً والاستخارة دعاء ، وقد لا يتبين للإنسان خير الأمرين من أول مرة ، بل قد يتبين من أول مرة ، أو في الثانية ، أو في الثالثة ، ثم بعد ذلك إذا لم يتبين له شيء بعد الاستخارة فإنه يشاور أهل الرأي والصلاح ثم ما أشير عليه به فهو الخير إن شاء الله ، لأن الله قد لا يجعل في قلبه بالاستخارة ميلاً إلى شيء معين حتى يستشير فيجعل الله تعالى ميل قلبه بعد المشورة ).
وقال -رحمه الله- : ( ولا بد من هذين الشرطين فيمن تستشيره أن يكون ذا رأي وخبرة من الأمور ، وتأن وتجربة وعدم تسرع ، وأن يكون صالحاً في دينه ، لأن من ليس بصالح في دينه ، ليس بأمين ، حتى وإن كان ذكياً وعاقلاً ومحنكاً في الأمور ، إذا لم يكن صالحاً في دينه فلا خير فيه ، وليس أهلاً لأن يكون من أهل المشورة ، لأنه إذا كان غير صالح في دينه ، فإنه ربما يخون والعياذ بالله ويشير بما فيه الضرر أو يشير بما لا خير فيه ،فيحصل بذلك من الشر والفساد مالله به عليم ) .
من استخار فقضي له بغير ما أراد :
ذكر بعضهم أن من استخار في شيء فقضي له فيه قضاء ولم يرض فإنه عندهم من الكبائر التي يجب منها التوبة والإقلاع لأنه من سوء الأدب وقالوا ليس يخفى لأنه لما رجع هذا العبد المسكين إلى هذا المولى الجليل ورغب منه أن ينظر له بنظرة فكيف لا يرضى ؟!
إذن فالاستخارة (التوكل قبل الفعل والرضا بعده ، فمن توكل على الله قبله ، ورضي بالمقضي له بعده فقد قام بالعبودية) .